عين القضاة
52
شرح كلمات بابا طاهر العريان
تذهب بمجرّد العلم ، فإنّها زائلة باطلة ، بل ترتفع بنور الوجد ، كارتفاع الظلّ وزواله بنور الشمس . وقال : ( ليس بين النّفس والقيامة إلّا نفس ) . أقول : معناه أنّ الحاجب بين النفس والقيامة هو الحياة الدنيا ؛ لأنّ « من مات فقد قامت قيامته » « 1 » ، والحياة أصل النفس ، فليس بين النفس والقيامة إلّا نفس . وقال : ( النّاس على متن الصّراط واقفون ، وهم لا يشعرون ؛ فإنّ الدّنيا آخرة الصوفيّة ، والآخرة صراط ، وميزان ، وجنّة ، ونار . وصراط الصوفيّة في الدّنيا طريقتهم ، وهي أحدّ من السّيف ، وميزانهم قلوبهم ، وهو أرجح الموازين ، وجنّتهم إقبال قلوبهم ، ونارهم إدبار قلوبهم ) . أقول : الأمور الموعودة في الآخرة من الصّراط ، والميزان ، والجنّة ، والنار ، هي حقائق منكشفة بصورها في الآخرة للمؤمنين ، وفي الدنيا للعارفين المرادين بالصوفيّة ، فإنّهم لمجانبة حظوظ النفس كأنّهم ماتوا فحشروا ، وعرضت عليهم القيامة بما فيها ، فصارت الدنيا عين آخرتهم ، وكان ما هو وعدا لغيرهم نقدا لهم . وغير الصوفيّة من العالمين بإشارة العلم ، الذين هم متعثّرون بأذيال صفات النفس عن الخروج إلى فضاء الكشف لسلوكهم طريق الشرع ، واقفون على متن الصّراط ، ولكنّهم لا يشعرون به لوجود الحجاب ، ووصف طريق الصوفيّة بأنّه أحدّ من السيف ؛ لأنّه حدّ الوسط بين طرفي الإفراط والتفريط ، وذلك في غاية الدقّة والحدّة . وكون القلب ميزانا ، مضى شرحه . وأمّا كونه أرجح الموازين ؛ فإنه يعرف به الحق من الباطل ، وغيره من الموازين تعرف بها المساواة من اللامساواة في الأجسام الكثيفة ، وقوله : ( إقبال قلوبهم ) ، أي على اللّه عزّ وجلّ ، وقوله : ( إدبار قلوبهم ) ، أي عن اللّه تبارك وتعالى ، وقد ورد : « إنّ للقلوب إقبالا وإدبارا » .
--> ( 1 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 2618 ) [ 2 / 368 ] .